مكانة العلماء وفضلهم:

لا يخفى على كل مسلم ما للعلم من فضل وما للعلماء من منزلة، وإنَّ هذه المنزلة من أسمى المنازل وأعلاها، ويدل لذلك شواهد في الكتاب والسنة، قال تعالى: ï´؟ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ï´¾ [الزمر: 9] [1]. وقال تعالى: ï´؟ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ï´¾ [المجادلة: 11] [2].



وقال تعالى: ï´؟ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ï´¾ [آل عمران: 18] [3].



قال الإمام ابن جماعة - رحمه الله تعالى - معلقاً على هذه الآية: ( بدأ سبحانه بنفسه وثنَّى بملائكته وثلَّث بأهل العلم، وكفاهم ذلك شرفاً وفضلاً وجلالةً ونبلاً) [4].



عن كثير بن قيس قال: (كنت جالساً مع أبي الدرداء - رضي الله عنه- في مسجد دمشق فأتاه رجل فقال: يا أبا الدرداء، إني أتيتك من مدينة الرسول في حديث بلغني أنك تحدثه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال أبو الدرداء: أما جئت لحاجة؟، أما جئت لتجارة؟، أما جئت إلا لهذا الحديث؟ قال: نعم، قال: فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه و سلم - يقول: «من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً من طرق الجنة، والملائكة تضع أجنحتها رضاً لطالب العلم، وإنَّ العالم يستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، والحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، إنَّ العلماء ورثة الأنبياء، إنَّ الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وأورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر»[5]).



علق ابن القيم - رحمه الله تعالى - على قوله: (إنَّ العلماء ورثة الانبياء).

بأن ذلك من أعظم المناقب لأهل العلم، وذلك لأن الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام - خير خلق الله، فورثتهم خير الخلق بعدهم.



فالعلماء أحق الناس بميراث الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -، حتى يقوموا بتبليغ هذا الدين للناس كافة[6].

ويقول سفيان بن عيينة - رحمه الله تعالى -: (أرفع الناس عند الله منزلة من كان بين الله وبين عباده، وهم الأنبياء والعلماء).



وقال سهل التستري - رحمه الله تعالى -: (من أراد النظر إلى مجالس الأنبياء، فلينظر إلى مجالس العلماء، فاعرفوا لهم ذلك) [7].



وقال الشيخ السعدي - رحمه الله تعالى -: (لولا العلم؛ لكان الناس كالبهائم في ظلمات الجهالة، ولولا العلم؛ لما عرفت المقاصد والوسائل، ولولا العلم؛ ما عرفت البراهين على المطالب كلها ولا الدلائل، العلم هو النور في الظلمات، وهو الدليل في المتاهات والشبهات، وهو المميز بين الحقائق، وهو الهادي لأكمل الطرائق، بالعلم يرفع الله العبد درجات، وبالجهل يهوي إلى أسفل الدركات) [8].


فكما بينا من الكتاب والسنة أن لأهل العلم مكانة وفضل ولا يجوز تحقيرهم و لا الطعن فيهم ولكن في نفس الوقت هناك مدعي العلم ، وهم الأئمة
المضلون والمفسدون
وقد خاف علينا النبي صلى الله عليه وسلم منهم ومن شرهم

ما رواه أبو داود (4252) ، والترمذي (2229) عَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه مرفوعا بلفظ : ( إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ ) ، وصححه الألباني رحمه الله في " صحيح سنن أبي داود " .

وهناك حديث رواه الإمام أحمد (21296) من طريق ابْن لَهِيعَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ هُبَيْرَةَ ، أَخْبَرَنِي أَبُو تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو ذَرٍّ ، قَالَ : " كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : ( لَغَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُنِي عَلَى أُمَّتِي ) قَالَهَا ثَلَاثًا . قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، مَا هَذَا الَّذِي غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُكَ عَلَى أُمَّتِكَ ؟ قَالَ : ( أَئِمَّةً مُضِلِّينَ ) " .
وهذا إسناد ضعيف ، ابن لهيعة ضعيف الحديث ، وكان قد اختلط .
انظر : " الميزان " (2/476) .

قال النووي رحمه الله في " شرح صحيح مسلم " :
" وَأَمَّا مَعْنَى الْحَدِيث فَفِيهِ أَوْجُه أَظْهَرهَا أَنَّهُ مِنْ أَفْعَل التَّفْضِيل , وَتَقْدِيره غَيْر الدَّجَّال أَخْوَف مُخَوِّفَاتِي عَلَيْكُمْ , ثُمَّ حَذَفَ الْمُضَاف إِلَى الْيَاء , وَمِنْهُ : أَخْوَف مَا أَخَاف عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّة الْمُضِلُّونَ ) " انتهى .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
"حديث الأئمة المضلون محفوظ ، وأصله في الصحيح " انتهى من " بيان تلبيس الجهمية " (2/293) .

وقال النووي رحمه الله في " شرح مسلم " (18/64) :
" ( أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّةَ الْمُضِلُّونَ ) مَعْنَاهُ : أَنَّ الْأَشْيَاءَ الَّتِي أَخَافُهَا عَلَى أُمَّتِي ، أَحَقُّهَا بِأَنْ تُخَافَ : الْأَئِمَّةُ الْمُضِلُّونَ " انتهى .

قال سفيان بن عيينة رحمه الله : كَانُوا يَقُولُونَ : مَنْ فَسَدَ مِنْ عُلَمَائِنَا فَفِيهِ شَبَهٌ مِنْ الْيَهُودِ ، وَمَنْ فَسَدَ مِنْ عُبَّادِنَا فَفِيهِ شَبَهٌ مِنْ النَّصَارَى . وقال غير واحد من السلف : احْذَرُوا فِتْنَةَ الْعَالِمِ الْفَاجِرِ وَالْعَابِدِ الْجَاهِلِ ، فَإِنَّ فِتْنَتَهُمَا فِتْنَةٌ لِكُلِّ مَفْتُونٍ" انتهى من " مجموع الفتاوى " لابن تيمية (1/197) .

وقال السندي في " حاشية ابن ماجة " (2/465) :
" ( أئمة مضلين ) أي : داعين الخلق إلى البدع " انتهى .

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
" ( الأئمة المضلين ) أئمة الشر ، وصدق النبي صلى الله عليه وسلم ، إن أعظم ما يخاف على الأمة الأئمة المضلون ، كرؤساء الجهمية والمعتزلة وغيرهم الذين تفرقت الأمة بسببهم .

رَوى البخاري في "صحيحه" بسنده إلى حُذَيفَة بن اليمان رضِي الله عنه؛ أنَّه قال: كان الناس يسألون رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن الخير، وكنتُ أسأله عن الشر مخافة أن يُدرِكني، فقلتُ: يا رسول الله، إنَّا كنَّا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير مِن شر؟ قال: ((نعم))، قلتُ: وهل بعد ذلك الشر مِن خير؟ قال: ((نعم، وفيه دَخَنٌ))، قلتُ: وما دَخَنُه؟ قال: ((قومٌ يَهْدُون بغير هَدْيِي، تَعْرِف منهم وتُنْكِر))، قلتُ: فهل بعد ذلك الخير مِن شر؟ قال: ((نعم؛ دُعَاة على أبواب جهنَّم، مَن أجابَهُم إليها قذَفُوه فيها))، قلتُ: يا رسول الله، صِفْهُم لنا؟ قال: ((هُمْ مِن جِلدَتِنا، ويتكلَّمون بألسِنتِنا))، قلتُ: فما تأمرني إنْ أدركني ذلك؟ قال: ((تلزم جماعة المسلمين وإمامَهم))، قلتُ: فإن لم يكُن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: ((فاعتَزِل تلك الفِرَق كلها، ولو أن تَعَضَّ بأصْل شجرة حتى يُدرِكَك الموت، وأنتَ على ذلك)).

فالحذر كل الحذر من الأئمة المضلين الذي يدعون إلى التحزب و إنشاء الجماعات بمناهج مختلفة ومخالفة للسنة

فالنبي صلى الله عليه وسلم عندما نصح حذيفة رضي الله عنه قال له : إلزم جماعة المسلمين وامامهم وإن لم يكن الإمام موجودا ولم تكن جماعة المسلمين قائمة فليعتزل كل الفرق وكل الجماعات


[1] سورة الزمر، آية: 9.

[2] سورة المجادلة، آية: 11.



[3] سورة آل عمران، آية: 18.

[4] تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم، ابن جماعة الكناني، ص:41.

[5] سبق تخريجه، ص 23.

[6] انظر مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، 1/ 66.

[7] تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم، ابن جماعة الكناني، ص: 70 - 71.

[8] الرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة في العقائد والفنون المتنوعة الفاخرة، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ص:71، ط1، 1426هـ/ 2005، دار المنهاج، القاهرة.